أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
68
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرئ مرفوعا على القطع من التبعية ، فيكون خبرا لمبتدأ محذوف أي : هو رب . وإذا قد عرض ذكر القطع في التبعية فلنستطرد ذكره لعموم الفائدة في ذلك : اعلم أن الموصوف إذا كان معلوما بدون صفته ، وكان الوصف مدحا أو ذما أو ترحما جاز في الوصف « التابع » الاتباع والقطع ، والقطع إما على النصب بإضمار فعل لائق ، وإما على الرفع على خبر مبتدأ محذوف ، ولا يجوز إظهار هذا الناصب ، ولا هذا المبتدأ ، نحو قولهم : « والحمد للّه أهل الحمد » روى بنصب « أهل » ورفعه ، أي : أعني أهل ، أو هو أهل الحمد . وإذا تكررت النعوت ، والحالة هذه كنت مخيرا بين ثلاثة أوجه : إما اتباع الجميع أو قطع الجميع ، أو قطع البعض ، واتباع البعض إلا أنك إذا أتبعت البعض وقطعت البعض وجب أن تبدأ بالاتباع ثم تأتي بالقطع من غير عكس نحو : مررت بزيد الفاضل الكريم ، لئلا يلزم الفصل بين الصفة والموصوف بالجملة المقطوعة . والعالمين : خفض بالإضافة علامة خفضه الياء لجريانه مجرى جمع المذكر السالم ، وهو اسم جمع لأن واحده من غير لفظه ولا يجوز أن يكون جمعا لعالم ، لأن الصحيح في « عالم » أنه يطلق على كل موجود سوى الباري تعالى لاشتقاقه من العلامة بمعنى أنه دال على صانعه ، وعالمون بصيغة الجمع لا يطلق إلا على العقلاء دون غيرهم ، فاستحال أن يكون عالمون جمع عالم ، لأن الجمع لا يكون أخص من المفرد ، وهذا نظير ما فعله سيبويه في أن « أعرابا » ليس جمعا ل « عرب » ، لأن عربا يطلق على البدوي والقروي ، وأعرابا لا يطلق إلا على البدوي دون القروي . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون « عالمون » جمعا ل « عالم » مرادا به العاقل دون غيره فيزول المحذور المذكور ؟ أجيب عن هذا بأنه لو جاز ذلك لجاز أن يقال : شيئون جمع شيء مرادا به العاقل دون غيره ، فدل عدم جوازه على عدم ادعاء ذلك . وفي الجواب نظر إذ لقائل أن يقول : شيئون منع منه مانع آخر ، وهو كونه ليس صفة ولا علما فلا يلزم من منع ذلك منع « عالمين » مرادا به العاقل ، ويؤيد هذا ما نقل الراغب عن ابن عباس أن « عالمين » إنما جمع هذا الجمع ، لأن المراد به الملائكة والجن والإنس وقال الراغب أيضا : « إن العالم في الأصل اسم لما يعلم به كالطابع اسم لما يطبع به ، وجعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة ، فالعالم آلة في الدلالة على صانعه » ، وقال الراغب أيضا : « وأما جمعه جمع السلامة فلكون الناس في جملتهم والإنسان إذا شارك غيره فيه اللفظ غلب حكمه » وظاهر هذا أن « عالمين » يطلق على العقلاء وغيرهم وهو مخالف لما تقدم من اختصاصه بالعقلاء كما زعم بعضهم ، وكلام الراغب هو الأصح الظاهر . [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 3 ] الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ : نعت أو بدل وقرئا منصوبين « 1 » ومرفوعين وتوجيه ذلك ما ذكر في رَبِّ الْعالَمِينَ وتقدم الكلام في اشتقاقهما في البسملة فأغنى عن إعادته . [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 4 ] مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) قوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ : يجوز أن يكون صفة أيضا أو بدلا ، وإن كان البدل بالمشتق قليلا وهو مشتق من الملك بفتح الميم ، وهو الشد والربط قال الشاعر :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 19 ) .